اليوسفي: هذا الوزير قدم لي استقالته مرتين في عهد حكومتي ورفضتهما

من مذكرات الوزير الأول السابق، وقائد حكومة التناوب، عبدالرحمن اليوسفي، التي عنونها بـ”أحاديث في ما جرى”، حول مساره النضالي والكفاحي منذ معركة الاستقلال إلى مسارات المطالبة بالديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون، ومن كرسي المعارضة إلى سدة الحكم.
يروي اليوسفي:
عندما بَدَأتُ الاستشارات الأولى لتكوين حكومة التناوب التوافقي وفَّر لي الإخوان في الحزب شقة في حي أكدال بالرباط، لعقد اللقاءات الأولى المتعلقة بالمشاورات. بعد ذلك بمدة، سرعان ما سنكتشف، أنه تم زرع أجهزة للتجسس وأخرى لتسجيل محتوى هذه المشاورات داخل الشقة، وبالنتيجة تم التخلي عنها واللجوء إلى أماكن أخرى متعددة لنفس الغرض.
كانت المعركة حول الإعلام من أشرس المعارك التي تمت فيها المواجهة مع البصري، وقد عانى المرحوم الأستاذ محمد العربي المساري من جراء ذلك، لدرجة أنه قدم لي استقالته مرتين، وقد تراجع عنهما بعد النقاش معه، وقد حاولت حثه على الاستمرار في موجهة جيوب المقاومة، لأننا لم نأت من أجل المناصب، بل جئنا من أجل الإصلاح، وهو أمر جد صعب ومساره وعر ويتطلب جهدا وصبرا لا ينضبان.
وبأن هذه المعارك عشناها من موقع المعارضة، أما الآن، ونحن في موقع المسؤولية، فإنه من المفروض علينا أن نضاعف الجهد وألا نستسلم. وبعد أخذ وردّ، استطعنا في الأخير في المجال السمعي البصري أن نضع حدا لاحتكار الدولة لهذا القطاع منذ 1924 وقد تحقق تحريره بعدما صدر ظهير تشكيل الهيئة العليا ومختلف المشاريع والقوانين التي تلت تدبير الإذاعة والتلفزة من خلال عدة أوراش. ليتم تحرير الإعلام من هيمنة ما كان يطلق عليه “أم الوزارات”.
بعد أن أصدرت الحكومة قانون الصفقات العمومية، الذي يفسح المجال أمام جميع المقاولات الوطنية والأجنبية للتنافس على المشاريع المعروضة، تصدت له جيوب المقاومة، لأن الصفقات العمومية كانت توزع على البعض دون الآخر.
هكذا عندما قررنا فتح باب المنافسة في ما يخص خصخصة الخط الثاني للهاتف النقال أمام جميع الشركات، أبدى إدريس البصري اعتراضه على فتح العرض أمام كل الشركات، متخوفا من خطورة نجاح إحدى الشركات التي تنتمي لإحدى الدول المتخلفة تكنولوجيا، في الحصول على العرض، وهو الأمر الذي قد تكون لديه عواقب سلبية على الاقتصاد الوطني. ويرى أنه من الأفضل في هذه الحالة، اللجوء إلى الشركات المعروفة عالميا والتي لها الريادة في هذا المجال والتعاقد معها مباشرة بدون فتح مناقصة أمام الجميع.
وأتذكر أن المرحوم الحسن الثاني، في إحدى اجتماعاتنا الأسبوعية، أثار انتباهي إلى مخاطر فتح المناقصة أمام الجميع، ولكنني طمأنته بأن دفتر التحملات تضمن كل الشروط الضرورية التي تُلْزِم كل المتنافسين، وبأن الهدف من هذه العملية هو تطبيق قانون الصفقات العمومية، وفتح التنافس أمام الجميع بكل شفافية، مما سيضع حداً للأساليب السابقة التي تدفع الشركات الراغبة في الاستثمار في بلادنا، إلى البحث عن الوسطاء والسقوط في المماطلات الإدارية وغيرها من العراقيل التي لا تشجع الرأسمال الأجنبي على المجيء إلى المغرب.
وهذا ما حدث بالضبط، حيث تمت المنافسة حول هذا العرض بكل شفافية، وجلبت هذه العملية مليارا ومائة مليون دولار للمغرب، وأعطت مزيدا من المصداقية وحفزت العديد من المستثمرين على الاستثمار في بلادنا.
بل إنه بفضل هذه الصفقة، تم تأسيس صندوق الحسن الثاني، الذي تدارس معي بشأنه المرحوم الملك الحسن الثاني، عندما زارني في مستشفى ابن سينا صيف 1999، كما خص خطاب عيد الشباب 9 يوليو 1999 لهذه الصفقة، وخُصص مبلغ 700 مليون دولار كله لميزانية الاستثمار والدعم الاجتماعي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *