آخر الأخبار

ما لاتعرفونه عن المجلس الأعلى للحسابات

بقلم: عزيز إدامين
صرح مولاي إسماعيل العلوي رئيس مجلس رئاسة التقدم والاشتراكية والوزير السابق وأحد “رجالات الدولة” لأحد المواقع الاليكترونية، أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول مشروع “الحسيمة منارة المتوسط” اعتمد على سياسة الكيل بالمكيالين، واستعمل لتصفية بعض الحسابات السياسية.
تصريح يحمل في طياته مخاطر جمة ، بدءا بالطعن في مؤسسة دستورية ، وصولا بالتشكيك في القرارات الملكية التي تلت تقديم تقرير المجلس الأعلى للحسابات.
.
المغرب وكغيره من الدول يعتمد على مجموعة من المؤسسات التي تلعب أدوارا مختلفة ومتعددة ، أدوارا تتوزع ما بين التمثيلية والوساطة وايضا رزمة من هيئات الضبط والحكامة والديمقراطية التشاركية …
عموما هذه المؤسسات منها الكلاسيكية ، كالحكومة والبرلمان والقضاء، ومنها مؤسسات جديدة كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومجلس المنافسة والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة وسيط المملكة والمجلس الأعلى للحسابات … وهذا الأخير يتميز بثلاث خصائص :
.
الخاصية الاولى: أن المجلس الأعلى للحسابات هو المؤسسة الوحيد الذي يقوم على الاستقلالية التامة والحياد المطلق ، على أساس أن أعضاؤه قضاة ولهم وضع خاص ، في حين باقي المؤسسات يتواجد في تركيبتها الفاعل السياسي او المدني او النقابي و أحيانا الحكومي ، ويساهمون في اتخاذ القرار ورسم البرامج والخطط.
هذه الخاصية لها أهميتها تكمن في جعل المجلس الأعلى للحسابات منزه عن اللغو وبعيد عن الصراعات السياسية والحسابات الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية.
.
الخاصية الثانية: كل المؤسسات المذكورة سلفا ، لها صورة سلبية عند المواطن المغربي ، وهذه الصورة المكرسة ساهمت فيها عدة عوامل ، منها الممارسة ، أو خطابات بعض الفاعلين السياسيين، أو سياقات وظروف معينة.
فالحكومة ، لا تحكم عند المواطن المغربي ، فقد سبق لرئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران أن صرح بأنه ” مجرد رئيس حكومة ” ، وتحدث قبله الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في محاضرته الشهيرة ببروكسيل بقوله ان هناك حكومة الظل وهي الفعلية وهي التي تشتغل فيما حكومته لم تكن لها صلاحيات .
أما البرلمان ، فإنه لا يمثل ولا يشرع ولا يراقب ، لايمثل لأن الصورة التي ينقلها التلفزيون أثناء جلسات الأسئلة الشفوية تبين غيابهم الممنهج عن قبة البرلمان ، كما أن بعض البرلمانين يطرحون أسئلة بطريقة ضعيفة ، مما يجعل “التوكيل” المفوض لهم للتمثيلية مهزوز .والبرلمان ايضا لا يشرع باعتبار أن المغرب ورث عن “الدغولية” الفرنسية للجمهورية الخامسة ، العقلنة البرلمانية، إذ أن الحكومة تبقى هي المشرع الرئيس و البرلمان مجرد مشرع ثانوي ، ولنا في مقترح القانون التنظيمي للجن تقصي الحقائق وايضا لهيمنة مشاريع القوانين على مقترحات القوانين خير مثال . وأخيرا فالبرلمان لا يراقب ، وذلك راجع الى ضعف جودة الأسئلة الشفوية أو الكتابية أو عدم امتلاكه “للشجاعة” بعد احداث لجن تقصي الحقائق للذهاب إلى أبعد مدى ، بخصوص القضايا التي يحقق فيها.
ويبقى القضاء ورش مفتوح ، من أجل إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، وهو ورش لم يكتمل بعد ، ولازال يعرف المد والجزر . كما أن مجموعة من التقارير الرسمية (خاصة التقارير السنوية لمؤسسة وسيط المملكة او حصيلة عمل المجلس الوطني لحقوق الانسان) تبين حجم عدد الشكايات المتوصل بها من قبل المواطنين ، والتي تتعلق بالعدالة، حيث يتظلم ويشتكي المواطنون من الأحكام القضائية ، بمعنى أن منسوب الثقة في القضاء ضعيف جدا.
وتبقى المؤسسات الاخرى، كالجماعات المحلية والأحزاب والجمعيات المدنية والنقابات غير قادرة على الاستجابة للاحتجاجات الاجتماعية وتحويل المطالَب الى سياسات عمومية محلية او برامج عمل.
.
الخاصية الثالثة: بينت الاحتجاجات التي عرفها اقليم الحسيمة ، ان كل المؤسسات السالفة الذكر لم تستطع ان تمتص غضب الساكنة، فرغم تصريحات رئاسة الحكومة واهتمامات الحكومة، ورغم عقد البرلمان لجلسات عمومية خصصت للاحتجاجات، ورغم المبادرات المدنية او الحزبية … فان كلها لم تستطع ان تقدم اجوبة “تشفي الغليل” للساكنة ، بل كانت أحيانا مخرجات بعض هذه المؤسسات ، مثل صب الزيت على النار … في مقابل فان المجلس الأعلى للحسابات شكل “منقذ” للدولة للخروج من عنق الزجاجة، مت اجل اتخاذ قرارات تهم ساكنة الحسيمة وباقي مناطق المغرب ولو موقتا ، وشرعنت تقاريره تفعيل كثلة من الإجراءات في إطار “الزلازل” التي عرفتها حكومة سعد الدين العثماني بالإعفاء على اربع وزراء، ووصول ارتدادات الزلزال إلى مسؤولين سابقين وقطاعات مهمة وعلى راسها وزارة الداخلية.
كما ان المجلس الأعلى للحسابات هو الجهة الأكثر تأهيلا للجواب على “إسقاط الفساد” نظرا لطبيعة وظيفته المتعلقة بمراقبة المال العام وايضاً لجودة ومهنية وموضوعية تقاريره.
.
بالعودة للتصريحات التي تمس بمصداقية هذه المؤسسة، والتي سبق لبعض أعضاء الحزب القائد للحكومة الحالية ، ان لمحوا في اكثر من مناسبة بعدم حياديتها وموضوعيتها، فان هذه التصريحات تنخر اخر موسسة لها مصداقيتها وتقوم حاليا بدور “البارشوك” بين الدولة والمجتمع.
فمن يحاول “إفتضاض عذرية ” المجلس الأعلى للحسابات بالمزايدات السياسية ، كمن يدعوا للمواجهة المباشرة بين الدولة والمجتمع …. فالمجلس اخر القلاع المحصنة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *