طُبُول الحرب تُقرع: البوليساريو يقيم الحواجز والمغرب ينشر قوّاته

منذ بداية العام الجاري تحركت آليات عسكريّة ومروحيات الجيش المغربي إلى منطقة الكركرات بالصحراء الغربية، وظهرت مع هذه التحركات بوادرُ فصل جديد من الصراع الذي لا يريد أن ينتهي بين المغرب و«جبهة البوليساريو» المطالِبة باستقلال إقليم الصحراء؛ فقبلها كانت عناصر البوليساريو تقيم حواجز عسكرية على الطريق الرابطة بين مركز الحدود «بير غندوز» وبين نظيره الموريتاني في الجهة المقابلة؛ في خطوةٍ اعتبرتها الرباط استفزازية؛ إذ جاء الردّ عليها سريعًا بإنذار بقرب اندلاع اشتباك بين القوى المتربصة ببعضها البعض في الكركرات.
فهل سنشهد حربًا قريبةً بين المغرب والبوليساريو؟ في السطور التالية نحاول وضعك في صورة آخر التطورات والتحركات العسكرية بمنطقة الصحراء.

خطوة تكتيكية.. المغرب يعلن الانسحاب من الكركرات
قرر المغرب في 26 من فبراير (شباط) من سنة 2017 الانسحاب الأحادي الجانب من منطقة الكركرات في الصحراء الغربية الحدودية مع موريتانيا؛ في خطوة منه لإفشال مساعي جبهة البوليساريو إلى إعادة طرح قضية وقف إطلاق النار أمام مجلس الأمن الدولي، وجاء في بيان الانسحاب، الذي صدر عن وزارة الخارجية المغربية، أنّ الانسحاب المغربي من الكركرات جاء «بناءًا على تعليمات من الملك محمد السادس»؛ بهدف احترام وتطبيق طلب الأمين العام للأمم المتحدة «انطونيو غوتيريس» بشكلٍ فوريٍّ.
يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس المغربية «سعيد الصديقي» أن قرار المغرب جاء بعد أن حقق أهم الأهداف التي دفعته لتجاوز الجدار الرملي، ومنها تعبيد الطريق المؤدية إلى المنطقة، وبدوره علّق «دوف زاك خيام»، نائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، بأن«انسحاب المغرب من جانبٍ واحدٍ من منطقة الكركرات يظهر جليًا جرأة المغرب في إدارة ملف الصحراء»، في وقتٍ وصفت فيه جبهة البوليساريو الانسحاب الأحادي للمغرب من منطقة الكركرات الحدودية في أحد بياناتها بأنه «ذر للرماد في العيون»، وأضاف بيان البوليساريو أن «قرار المغرب إبعاد قواته مئات الأمتار في منطقة الكركرات هو ازدراء للقانون الدولي الذي ظل المغرب يرفضه لما يقارب ثلاثة عقود».
وبدورها أعلنت «الجبهة» مطلع شهر أبريل (نيسان) الماضي سحب قواتها من المنطقة في خطوة اعتبرتها الأمم المتحدة دفعةً كبيرةً للجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات لإنهاء النزاع، وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة «ستيفان دوجاريك»: إنّ الامم المتحدة «ترحب بانسحاب جميع عناصر البوليساريو من منطقة الكركرات قرب الحدود الموريتانية»، معتبرًا أن «هذا الإجراء يجب أن يعزز احتمالات خلق بيئة (…) لاستئناف عملية التفاوض بدينامية جديدة وروح جديدتين».
وتشهد منطقة الكركرات بالصحراء الغربية منذ شهر أغسطس (آب) من سنة 2016 توتّرًا أمنيًّا شديدًا، وهو ما جعل الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو غوتيريش» يدعو كل الأطراف العسكرية والمدنية إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس واتخاذ جميع الخطوات اللازمة لتجنب تصاعد التوتر، وجديرٌ بالذكر أنّ الحرب بين الجانبين استمرت منذ سبعينات القرن الماضي حتى عام 1991 عندما تدخلت الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، غير أن كل المساعي الأممية فشلت في إيجاد حل سياسي نهائي لهذا النزاع.
طُبُول الحرب تُقرع: البوليساريو يقيم الحواجز والمغرب ينشر قوّاته
في خطوة اعتبرتها الصحافة المغربية «استفزازًا خطيرًا»، أقامت البوليساريو حاجزًا على طول الطريق الرابطة بين مركز الحدود «بير كندوز» وبين نظيره الموريتاني في الجهة المقابلة، وكانت صحيفة «المساء» المغربية اليومية قد انفردت بنقل الخبر، عن مصادر محلية، أن عناصر من البوليساريو شيّدت حاجزًا من الحجارة والإطارات المطاطية في منطقة الكركرات القريبة من موريتانيا.
وسارع المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء الغربية، «هورست كوهلر»، إلى احتواء الأزمة عبر برمجته زيارات عمل متتالية إلى مجموعة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي؛ بهدف إعادة المفاوضات إلى مسارها الصحيح، والحيلولة دون عودتها إلى نقطة الصفر.
من جانبه قال عمر هلال، السفير الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة: إن تواجد البوليساريو بالكركرات غير قانوني؛ لأنه ينتهك الاتفاقات السارية، ويسعى إلى تغيير وضع المنطقة؛ وبالتالي فثمة ضرورة ملحة لانسحاب الجبهة فورًا ودون قيد أو شرط من أجل العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا.
وجاء ردّ المملكة المغربية بقيام دوريات الدرك الحربي ومروحيات خفيفة تابعة للجيش المغربي بالانتقال إلى منطقة الكركرات التي وصل فيها التوتر إلى درجات متقدمة.
ونقلت يومية المساء المغربية عن المفتش العام للقوات الملكية المسلحة وقائد المنطقة العسكرية الجنوبية إصداره أمرًا برفع درجات اليقظة والاستنفار إلى الأقصى، وأمر بحشد الجيش المغربي لمئات الجنود والآليات العسكرية على بعد أمتار قليلة من الحدود الموريتانية، بعد أن شوهدت دوريات للشرطة المدنية التابعة للبوليساريو تجول بالمنطقة، إضافةً إلى التهديدات بعرقلة المرور، ومنع«رالي» السيارات «موناكو–داكار» الذي يمر بالصحراء المغربية في اتجاه موريتانيا، والذي تتهم المغرب عناصر جبهة البوليساريو بمحاولة عرقلته.
وكانت البوليساريو قد أبلغت بعثة «المينورسو» التابعة للأمم المتحدة، أنها «ستوقف مرور «رالي دكار» للسيارات بمنطقة الكركرات في حال حدوث أي استفزاز من طرف بعض المشاركين، سواء تعلق الأمر بحمل العلم المغربي أو أية خارطة مستفزة».
وأحتجت الرباط لدى الأمم المتحدة، وأبلغتها قلقها العميق من معاودة وضع البوليساريو لعناصرها في منطقة تعتبر منزوعة السلاح – في إشارة إلى الكركرات – وذلك ما يشكل خرقًا لقرارات مجلس الأمن، وشدد المغرب في رسالته للأمم المتحدة «على ضرورة سحب عناصرها في أسرع وقت، في احترامٍ كامل لقرارات الأمم المتحدة، بما فيها اتفاق وقف إطلاق النار الصادر سنة 1991».
وفي حديثه مع «ساسة بوست» أكّد «محمد لمين حمدي»، الصحافي بالتلفزيون الصحراوي، إنّ المغرب هو سبب التوتر الأخير بالكركرات؛ وذلك بعد نشره لقواته بالمنطقة، في تحد صريح لقرارات مجلس الأمن حسبه، وأضاف حمدي، أنّ على المغرب احترام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، بحسب ما قاله.
أطراف عسكرية أمريكية تضع سيناريوهات للتدخل العسكري
كشفت وثيقة عسكرية مسربة عن سيناريو أمريكي قدمته كليات الحرب الأمريكية، يتوقع سيطرةً لتنظيم «القاعدة» في بلاد المغرب على أجزاء من الصحراء الغربية، كما توقعت الوثيقة التي سربتها صحيفة «ذي إنترسيبت» الأمريكية، وأن يؤدي هجوم إرهابي دامٍ على مدن أمريكية، انطلاقًا من الصحراء الغربية، إلى تدخل الجيش الأمريكي والقوات الخاصة للقضاء على المسلحين في المنطقة.
وكانت صحيفة «التليجراف» البريطانية قد حصلت على وثيقة سرية ترجع لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، عُثر عليها في مدينة تمبكتو سنة 2013، وأشارت الوثيقة التي نشرتها الصحيفة على أنّ التنظيم خطط منذ ربيع سنة 2012 للسيطرة على منطقة الصحراء الإفريقية الغربية، وهو ما يعزز السيناريو الأمريكي الذي يتوقع أن يتمكن تنظيم القاعدة من العودة إلى الأضواء بحلول عام 2021، ويصبح أقوى وأكثر تنظيما، وسيتوفر على قواعد مباشرة في الصحراء المغربية.
وكانت صحيفة «ذي إنترسبت» قد نشرت وثيقة سرية لقيادة القوات الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم»، في عام 2016، تشير إلى عملها على إنشاء قاعدة للطائرات بدون طيار في النيجر، على أن يشمل نطاق عملها دول المنطقة، بتكلفة تناهز 100 مليون دولار.

هل ستندلع الحرب بين المغرب والبوليساريو؟
زادت توقعات نشوب حربٍ مباشرةٍ بين المغرب والبوليساريو، بعد تصاعد التوتر في منطقة الكركرات، خصوصًا بعد الاستفزازات المتنامية بين عناصر البوليساريو وعناصر الجيش الملكي المغربي، وقالالباحث في الشؤون الصحراوية «عبد المجيد بلغزال»: «إن الطرفين – المغرب والبوليساريو – في وضعية وقف إطلاق النار منذ سنة 1991، وهذا يعني أن الحرب مازالت قائمة، مرجحًا أنه في حالة تسرب وحدات عسكرية من جبهة البوليساريو إلى المحيط الأطلسي، فسيضطر المغرب إلى استخدام السلاح، وهذا ما تسعى الجبهة لجر المغرب إليه»، بحسبه.
وفي السياق أكد وزير الدفاع الصحراوي في حكومة البوليساريو، عبد الله لحبيب، «أنّ الجيش الصحراوي مستعدٌ للمواجهة، حال نشوب حرب مع المغرب، لانتزاع الاستقلال». من جانبه يرى«الفتاح الفاتحي»، الباحث في شؤون منطقة الصحراء والساحل، أن جبهة البوليساريو أضعف من أن تطلق رصاصةً واحدةً، أو أن تعلن الحرب على المغرب. وأضاف المتحدث ذاته أن المواجهة العسكرية بين المغرب والجبهة مستبعدةٌ حاليًا، لاسيما وأن بعثة «المينورسو» تمثل الأمم المتحدة بالكركرات، وهي حريصة على تطبيق شروط وقف إطلاق النار.
في حديثه لـ «ساسة بوست» أعرب وزير الدفاع الأسبق في حكومة البوليساريو، وقائد لواء احتياطي «محمد لمين البوهالي» أنّ أيّة ردة فعل أخرى من المغرب؛ ستشعل حربًا لن توقفها، لا الأمم المتحدة، ولا غيرها، وأضاف البوهالي أن «جبهة البوليساريو مازالت عند التزاماتها الدولية بخصوص وقف إطلاق النار، وأنّ المغرب يسوق المنطقة نحو المواجهة»، مؤكدًا أن البوليساريو «مستعدةٌ لكافة الاحتمالات، والتي من بينها الحرب».

وعن احتمال نشوب حربٍ على خلفية التصعيد الأخير بالكركرات، قال الصحافي الصحراوي محمد لمين حمدي في حديثه معنا: إنّ احتمال الحرب قائم، وأن التاريخ شاهد على «بسالة عناصر البوليساريو في الحروب السابقة»، بحسب قوله.
تدريبات مسلحي البوليساريو
جديرٌ بالذكر أن الأمم المتحدة اتهمت المغرب وجبهة البوليساريو سنة 2016 بانتهاك وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991، وذلك بعد أن رصدت دوريات «المينورسو» عناصر للجيش المغربي وللبوليساريو بالكركرات.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد كشفت مطلع هذا العام أن الجيش الملكي المغربي سيحصل قريبًا على ترسانةٍ جديدةٍ من صواريخ «جو جو» في صفقة مع شركة «ريثيون» الأمريكية، وهي الصواريخ المتقدمة التي تركب على مقاتلات «إف 16» في إطار سياسة التسليح التي تنتهجها المغرب في السنوات الأخيرة.
عن “ساسة بوست”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *