رئيس حركة “ضمير” يشرح الوضع في جرادة بالتفصيل ويكشف معطيات وأرقام صادمة

الوديع يكتب: مشاهدات حية من جرادة .. مدينة السندريات القاتلة
صلاح الوديع
الكثيرون منا لا يعرفون أو لم يكونوا يعرفون كلمة “السندرية” التي تُجمَع على “سندريات”، فبالأحرى أن يعرفوا معناها.
السندريات، كما يوضحها سليمان، ابن مدينة جرادة ومناضلها الحقوقي، كلمة نحتها المنجميون على مر الزمن. لا، ليس المنجميون كعمال بأجر وضمانات. بل المنجميون المنتشرون في الطبيعة في الهضاب المحيطة بالمدينة، جريا وراء كسرة الخبز المُرَّة. يحفرون الأرض هنا أو هناك حسب تواجد الفحم، منذ أغلقت مفاحم جرادة أبوابها سنة 2000. هو يقر بأن أغلب العمال المنجميين السبعة آلاف قد تم تعويضهم ماديا بالتراضي. لكن المدينة لم تنل حظا من إعادة التقويم واعتماد نمط اقتصادي يحميها من الانهيار الاجتماعي… وهكذا انتشرت السندريات بالعشرات حول المدينة.
هذا الوضع بادٍ على وجه المدينة حيث تتناثر الأحياء الفقيرة التي تبدو وقد شيدت على عجل وبإمكانيات أصحابها الهزيلة، ثم تبعتها أشغال المجلس البلدي من أجل تبليط أزقة لم يستطع الإسفلت أن يمحو عنها وشم العشوائية.
من السندريات، حسب النشطاء الشباب، يتعيش اليوم ما يقارب 400 شابا يعيلون عائلات بأكملها. يشتغل في كل سندرية عموما 5 شباب وسيدة. يتم حفر البئر بقطر متر أو يزيد قليلا ثم تنزل الحفرة عموديا إلى مدى عشرات الأمتار قد تصل المائة. وحين يصل الحفرُ طبقة الفحم الحجري يبدأ العمل أفقيا. الشاب الأكثر عنفوانا يتكلف بالحفر وبالقرب منه قطعة جلد موصولة بحبل وكلما امتلأت جرها إليه العامل الثاني وأسلمها إلى عاملين اثنين يضعانها في قفة ويوصلانها إلى السطح على باب البئر حيث يتلقفها شاب خامس يسلمها إلى السيدة التي تتكلف بغربلتها من أجل فرز قطع الفحم عن الأتربة السوداء أو “السْحاق”.
هذه العملية هي ما سوف يؤهل الفحم كي يصير بضاعة تباع وتشترى أو بالأحرى تُشترى لكي تُباع. تُشترى – وُجوبا تحت طائلة المنع – من طرف أصحاب الرخص الذين يملكون بمقتضاها حق التصرف المطلق في بقع تمتد إلى ما يفوق 16 كلم مربع للبقعة الواحدة وهم ثلاثة أو أربعة حسب النشطاء الشباب المحتجين…لكن النموذج المعتمد عشوائي ومجحف ومحفوف بالمخاطر بالنسبة لحفاري “السندريات”.
وهاهي براهين الشباب: عوض أن يقوم أصحاب الرخص بتشغيل رسمي للشباب بأجر قار وضمانات اجتماعية وتغطية صحية، فإنهم يسمحون لكل من يريد استخراج الفحم بالقيام بذلك بطرق تقليدية تعرضهم للأخطار في كل لحظة (انهيار الحُفر، الاختناق، الغرق كما وقع للشابين الضحيتين الذين كانت وفاتهما نقطة انطلاق الحركة الاحتجاجية…). ومقابل ذلك، يحتكر أصحاب الرخص شراء كل ما ينتجه هؤلاء بثمن بخس ويعيدون بيعه للمؤسسات العمومية التي تتطلبه بأضعاف أضعاف ثمن الاقتناء… أما “السّْحاق” فإنهم يتسلمونه مجانا بلا مقابل من عمال السندريات، ويعيدون بيعه طبعا بربح صاف مائة بالمائة…
هذه هي بعض أسباب الغضب المستمر إلى اليوم في جرادة والذي لا أظنه سيعرف تراجعا في القريب ما لمْ يَعتمد كل ذي مسؤولية خطاب الحقيقة وما لم يتم الإنصات لصوت الشارع الذي يمثله اليوم ثلة من الشباب المتخرج من الجامعة والمرتبط بمنطقته بروح مسؤولية عالية.
بمعية النشطاء الشباب، قمت بجولة بين السندريات في أعالي الهضاب المحيطة بالمدينة ووقفت على الأخطار الكبيرة التي تشكلها على كل مقترب منها، واستمعت إلى شروحاتهم وانتظاراتهم مما سوف يأتي الحديث عنه لاحقا.
غير أن أكثر ما أثار انتباهي هو طيف سيدة عجوز جاوزت السبعين وزادها الفقر تجاعيد على تجاعيد. وجدتها منحنية على تل صغير كأنها تبحث عن شيء ضاع منها. اقتربت وسلمت. وبعد “صباح الخير” سألتها عما تفعله. أجابت بعفوية وبصوت كسّره تعب سنوات عجاف طويلة. أجابت أنها تبحث عن قطع الفحم الصغيرة المتناثرة المتخلى عنها من أجل طهي وجبة الغذاء لعشرة أفراد. ثم أردفت أنها تفعل نفس الشيء منذ سنوات طويلة.
عند بداية الظهيرة، وأنا أتأهب لمغادرة جرادة، كان التجمع اليومي يلتئم أمام البلدية تصب فيه المسيرات من الأحياء المتناثرة في المدينة. شباب تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين ونساء وكهول في نظام بديع. يلتحفون العلم الوطني ويحملون لافتات المطالب ويرددون شعارات كثيرة. لكن الذي علق بذهني كان شعارا مؤثرا يقول: “بغيت نعيش، بغيت نعيش // ما نسرق ما نبيع حشيش”…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *