بوتفليقة مات وهاشكون للي كايحكم الجزائر

الوضع الصحي للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة حرج جداً. فالرجل الذي بلغ من العمر عامه الثمانين، وأصيب بجلطة دماغية عام 2013، وقبلها بسرطان الأمعاء، لا يظهر إلا قليلاً ويلغي مشاركاته في العديد من اللقاءات الرسمية، وإذا خرج لالتقاط صور تدل على وجوده، يظهر على كرسيه المتحرك ولا يستطيع التحدث كثيراً.
قبل أيام، بدأت ترتفع أصوات مُطالبة بتدخل الجيش لتطبيق المادة 102 وإزاحة بوتفليقة عن سُدة الحكم، لعدم قدرته على تسيير البلاد، مثل الحملة المحدودة التي دشنتها مجموعة من النشطاء، ومثل تعليقات المعلق الرياضي حفيظ دراجي، ورئيس حزب جيل جديد جيلالي سفيان، والرئيس السابق لحزب التجديد نور الدين بوكروح.
ورغم رفض الجيش التدخل، وتأكيد حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم ومجلس الأمة أن بوتفليقة قادر على ممارسة مهماته، بدلالة ترؤسه اجتماعاً وزارياً قبل فترة وجيزة، ورغم تحذير رئيس المجلس الشعبي الوطني سعيد بوحجة من أن إقالة الرئيس قفزة نحو المجهول، إلا أن المطالب لا تزال قائمة.
والتساؤل الذي يُطرح وهو: إذا كان بوتفليقة لا يحكم، فمَن يحكم إذاً؟ وما هي سيناريوهات ما بعد تنحيه والأسماء المحتملة لخلافته؟
“بوتفليقة ليس حاكماً فعلياً”
“فعلياً لا”… يجيب الأستاذ بقسم العلوم السياسية في جامعة تمنراست بالجزائر محمد الأمين بن عودة عن سؤال رصيف22 “هل ترى أن بوتفليقة هو الحاكم الفعلي للبلاد؟”، مُرجعاً الأمر إلى حالته الصحية المتدهورة جداً والتي باتت لا تخفى عن أحد.
ويؤيد هذا الرأي المحلل السياسي عبد الرحيم منار سليمي، في لقاء سابق له، يقول فيه إن بوتفليقة لا يحكم الجزائر بسبب مرضه المميت.
طبيعة الحكم في الجزائر
منذ استقلال الجزائر تطغى الصبغة العسكرية على الحُكم، أي مع إزاحة قائد أركان الجيش العقيد هواري بومدين الرئيس أحمد بن بلة، أول رئيس بعد الاستقلال، وحُكمه للجزائر.
يقول الناشط السياسي الجزائري نبيل الكبير لرصيف22 إن نظام الحكم سابقاً كان مخابراتياً عسكرياً حتى أحداث العشرية السوداء التي بدأت في يناير 1992، عقب إلغاء نتيجة الانتخابات البرلمانية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المُنحلّة حالياً)، وانتهت بميثاق المصالحة عام 2005.
وأوضح الكبير أن الجيش عقد صفقة مع بوتفليقة في نهاية تسعينيات القرن الماضي لانتخابه رئيساً شرط استمرار الأسلوب العسكري في الحكم، ولكنه أضاف أن بوتفليقة بدأ مرحلة الحد من السلطات الأمنية بعدما أصبح رئيساً، ففصل كل القيادات التي لا تسانده وأحال آخرين على التقاعد، وأبرزهم وآخرهم رئيس المخابرات السابق، محمد مدين المعروف بـ”الجنرال توفيق”.
من يحكم الجزائر الآن؟
يسيطر رجال الأعمال الذين صنعتهم السلطة، من خلال منحهم امتيازات اقتصادية، على جانب كبير من مقاليد الحكم، كما يؤكد الكبير لرصيف22، مضيفاً: “بات الصراع على السلطة منحصراً بينهم وبين بعض الجنرالات السابقين الذين لا يزال لهم نفوذ، مثل الجنرال توفيق، فهو العلبة السوداء للنظام ويعرف خباياه كلها”.
وكنماذج عن أبرز رجال الأعمال البارزين الذين يلعبون دوراً سياسياً، يذكر علي حداد المحسوب على السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، و”الذي يستقبل وزراء وسفراء رغم أنه لا يشغل أي منصب رسمي”، ومحي الدين طحكوت المحسوب على رئيس الوزراء أحمد أويحيى، الذي “لا يُعرف مصدر ثروته بالتحديد”.
واعتبر أن نفوذ هؤلاء ظهر في إقالة رئيس الوزراء عبد المجيد تبون، في منتصف أغسطس، بسبب إعلانه الحرب على ما أسماه تحييد المال عن السلطة.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة ورقلة بالجزائر إلياس حودميسة، لرصيف22 إن السعيد بوتفليقة هو المتحكم في غالبية زمام الأمور، وإن بوتفليقة ليس غائباً بشكل كُلي عن مهماته.
ولكن نبيل الكبير يعتبر أن السعيد مجرد فرد ضمن هرم سلطة يتألف من رجال أعمال وجنرالات وحزب حاكم.
من يحدد مصير الجزائر؟
يقوم الجيش بدور حاسم في تحديد معالم العملية السياسية، وتوقيف المسار الانتخابي عام 1991 دليل على ذلك، وتدخل الجيش في تعيين الرؤساء مثل العقيد الشاذلي بن جديد دليل آخر.
ويتحكم حزب جبهة التحرير الوطني في جانب من مفاصل السلطة. فمنذ اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954، برزت جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري كقائدة للنضال الوطني، وعندما نالت الجزائر استقلالها، كان من الطبيعي أن تتمسك الجبهة بمقاليد الأمور، نظراً لامتلاكها الشرعية الثورية التي أهلتها للحكم.
ولكن لرجال الأعمال، وبفضل الاستثمارات الضخمة التي يديرونها، يد طويلة في تسيير الأمور. ووفقاً للخبير الجزائري محمد الأمين بومدين “دخلت البلاد في مرحلة بالونات المال في ما يشبه فترة الحزب الوطني في مصر”.
وتعدّ فرنسا أهم الدول المتدخلة في شؤون الجزائر نظراً للتاريخ الطويل الذي يجمعهما، وبدا ذلك جلياً مع تنظيم اللجنة الحكومية المشتركة الجزائرية الفرنسية، واللقاءات المتبادلة المنتظمة.
الخلفاء المحتملون لبوتفليقة
اتفق جميع الخبراء على أن الخليفة المقبل سيأتي كبديل جاهز ومهيأ يُطرح ويُتفق عليه، بمباركة واتفاق الجهات المُتحكمة في السلطة. وتطرح أسماء كثيرة في هذا الصدد.
السعيد “مشروع توريث مرتقب”
يقول الخبير إلياس حودميسة إن البديل لعبد العزيز بوتفليقة هو أخوه السعيد، استناداً إلى عدة أمور، هي درايته الكبيرة بشؤون الدولة منذ عام 1999، عام تولي عبد العزيز للرئاسة، فهو دائماً كان محل ثقة الرئيس ومقرب منه جداً ومستشاره الخاص وقريب من كل دوائر السلطة. وأغلب القرارات تمرّ من خلاله في حال مرض الرئيس.
وبسؤاله عن معضلة التوريث، أكد أن هذا أمر يمكن تداركه مع رغبة الجميع في إنهاء الأمر سريعاً دون إعادة دوامة فوضى التسعينيات التي تجعل الجزائريين جاهزين لتقبّل الخيارات المفروضة عليهم، فالكل تحركه رغبة واحدة هي “الاستقرار” أياً كان الثمن.
وتحدثت تقارير عدّة عن مشروع التوريث المرتقب، وعن أن السعيد هو من سيخلف الرئيس في الحكم. وفي وقت سابق، قال الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس إنه لا يستبعد أن يكون السعيد هو المرشح المقبل للرئاسة. كما اعتبرت المذيعة خديجة بن قنة في تدوينة لها أن السعيد بدأ مرحلة التحضير لما بعد شقيقه، وقرأت في زيارته الأخيرة لفرنسا مسعى لبلوغ هذا الهدف.
أسماء أخرى
ومع أن الأمور تبدو شبه محسومة لصالح السعيد، هناك أسماء أخرى متداولة، مثل الجنرال حسين بن حديد، قائد الناحية العسكرية الثالثة ومستشار وزير الدفاع اليمين زروال سابقاً، والذي أشارت بعض التسريبات إلى أنه يدرس الأمر بجدية.
وعن ترشحه يقول الخبير نبيل الكبير إنه برغم أنه ليس محسوباً على النظام الحالي، إلا أنه “سيكون مجرد أرنب سباق”، كما سبق أن فعلها النظام عام 1999 حين ترشح بوتفليقة للرئاسة مع سبع قيادات لأحزاب معارضة وبعدها انسحبوا من السباق لترك المجال له.
ويُتداول أيضاً اسم وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل الاسم المتداول بكثرة. وقرأ البعض في إسقاط كافة تهم الفساد المنسوبة إليه، من رشوة واختلاس مال عام، بقرار سيادي من بوتفليقة، أنه يتم إعداده لتولي منصب مهم في المستقبل، وربما يكون هذا المنصب هو رئيس الجمهورية.
وهناك قواسم مشتركة كثيرة تجمع بين بوتفليقة وخليل، قد تجعل منه خليفته، فهما مولودان في مدينة وجدة ولمعطيات الانتماء إلى الجهة الواحدة تأثير بالغ في تولي المسؤولية في الجزائر.
فعندما كان الرئيسان الراحلان هواري بومدين والشاذلي بن جديد يتحدران من شرق الجزائر، كان أبرز المسؤولين من ولايات الشرق، وغالبية المسؤولين في البلاد خلال عهد بوتفليقة ولدوا بغرب البلاد مثله. فظاهرة “الجهوية” فاعلة في السياسة الجزائرية.
ويطرح البعض اسم رئيس الوزراء المقال عبد المجيد تبون. ويعتبر الخبير الجزائري محمد الأمين بن عودة أن طرح التوافق عليه كرئيس لا يزال قائماً بالرغم من عزله من منصبه، وبرأيه هو بديل جيد مقرّب من السلطة ومسيرته المهنية نظيفة وحقق نتائج وإنجازات مهمة خاصة في مجال السكن، كما أنه مقبول شعبياً.
ولكن حتى الآن كل المفاجآت تبدو ممكنة، ولم تمل الكفة بعد لمصلحة المطالبين باستبدال الرئيس الحالي أمام المطالبين باستمراره في منصبه حتى انقضاء فترة ولايته عام 2019.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *