عن القضاء مرة أخرى

أطل من نافذتي، مرة أخرى، على ملف القضاء في المغرب، لأحدثكم عن واقعة غريبة ومؤسفة، حدثت في مدينة مغربية كبرى. فقد تقدمت إحدى السيدات، المنخرطة في جمعية يترأسها مستثمر يملك شركة عقار، بطلب توفير إقامة مؤقتة لابنتها من أجل متابعة دراستها. وقد حصلت منه، من باب البر والإحسان، على شقة مجهزة ومفروشة، قيمتها الكرائية نحو 30 ألف درهم في الشهر، من أجل استغلالها لمدة ثلاثة أسابيع، إلى حين تدبر أمرها والبحث عن إقامة أخرى.

ومرت ثلاثة أسابيع ليطالب صاحب الشقة بعقاره دون جدوى. ثم مرت الشهور في ردهات المحاكم وأقسام الشرطة، ومكاتب الخبراء دون أن يتمكن المعني بالأمر من استرجاع شقته. وتعقد الملف ولا زالت المعنية بالأمر تحتل محلا لم تكتره ولم تشتره قط، بل ودخلت في مناورات رديئة، ووجدت، مع الأسف، من القضاة من يستمع لها. وأدهى من ذلك، فقد أعطى أحد القضاة موافقته على ربط الشقة بالماء والكهرباء، مع العلم أن المحتلة للشقة لا تتوفر على أية وثيقة تثبت كراءها أو شراءها.

ومن المفارقات أيضا أن تتم إحالة هذا الملف على محاكم الاستئناف، دون البت فيه إلى اليوم، بعد مرور سنتين ونصف تقريبا.

لقد كان حريا بالقضاء أن يحسم في هذا الملف، من خلال أول جلسة، وأن يطالب من تقيم في الشقة بعقد الشراء أو الكراء الذي يسمح لها باستغلال الشقة والإقامة فيها. وما دامت لا تتوفر على أي عقد أو وثيقة، فما على القضاء سوى أن يحكم بالإفراغ بعد أول مداولة.

والحال أن القضاء يحكم بالإفراغ حتى في حق من يكترون محلات بناء على عقود قانونية، ولكنه يطالبهم بإخلاء العقار لمجرد أنهم لا يؤدون واجب الكراء لمدة قصيرة، فما بالنا بمن يقيم في شقة إقامة غير قانونية، ولا يمتلك أية وثيقة تسمح له بالاستمرار في استغلال ذلك العقار.

إنها صورة أخرى من الصور التي تعكس واقع القضاء في المغرب، وكيف صار في حاجة إلى مراجعة وإصلاح شامل، بعدما أصبح في حالة يؤسف لها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *