مقترحات من أجل إصلاح القضاء

نهاية الأسبوع الماضي، التقيت أحد الأصدقاء المهتمين بموضوع إصلاح القضاء في المغرب. تداولنا في الموضوع بعمق نقدي وصدق وغيرة وطنية، قبل أن ننتهي إلى خلاصة أسياسية، وهي أن القضاء في المغرب قد ضل وجهته منذ البداية، مع بداية استقلال المغرب، حينما أخذ بالنموذج الفرنسي، وطبقه في محاكم البلاد.

ونحن نعلم أن القضاء الفرنسي نفسه يعتمد على النموذج الروماني، مع إضافة مبدأ أساس هو مبدأ فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية. ومع ذلك لا يزال القضاء الفرنسي موضوع جدل بين رجال وفقهاء القانون في فرنسا. كما لا يزال هذا النموذج القضائي موضوع تعديل لا يتوقف ولا يهدأ، منذ وضع الأسس العامة لقانون الجنائي الفرنسي على عهد نابليون، وتحديدا سنة 1810.

في هذا السياق، حدثت صديقي عن كتاب “النيابة العامة”، للخبير القضائي الفرنسي جان فولف، الذي اشتغل على نحو 30 نظام قضائي في العالم، ليكتشف مدى عيوبه، منطلقا من القضاء الفرنسي، ومشككا في دعوى الاستقلالية. وهنا انتصر مؤلف الكتاب للنموذج البريطاني الذي خلق مؤسسة “الوسيط” ما بين الدولة والسلطة القضائية، والسلطة القضاية والمواطنين، انطلاقا من أن الفصل بين السلط لا يعني عدم وجود تنسيق في ما بينها. كما تحرص مؤسسة الوسيط على مراقبة السلطة القضائية أيضا.

إن حل مشكلة القضاء في المغرب يمر عبر العودة إلى النظام القضائي في تراثنا الإسلامي، والذي قام بدوره على مفهوم الوساطة القضائية، وهي تتلخص في التقريب بين المتقاضيين، ووجهات نظرهم، وعقد صلح بينهم، وضمان حقوقهم، وليس في مجرد البحث عن أدلة الإدانة من أجل إنزال العقوبات، ولا من خلال “جرجرة” المتقاضين في المحاكم، من ابتدائية واستئنافية، ومحاكم النقض، ومن ثم تعطيل مصالح البلاد والعباد. ومع النموذج القضائي الذي نقترحه، يصبح للقضاء دور تحكيمي في المغرب، مهمته التحكيم بين المواطنين والمؤسسات والشركات المتقاضية، من أجل ضمان حقوقهم دون أية تعقيدات.

لأجل ذلك، نقترح إعادة هيكلة مؤسسة القضاء في المغرب انطلاقا من نوعية المشاكل والقضايا المعروضة أمامها. فالقضايا والنزاعات القابلة للحكم النهائي يمكن البت فيها على مستوى المحاكم الابتدائية وبشكل نهائي، وتكون بمثابة “محاكم عامة”. بينما تختص محاكم الاستئناف بالقضايا التي هي موضوع خلاف والتباس وتعارض بين الأدلة المقدمة وما إلى ذلك. بينما تختص المحاكم العليا “المحاكم الخاصة” بالنظر في النزاعات ذات الطابع الخاص، من خلال البث في النصوص القانونية الشرعية. وفي هذه المحاكم تحديدا، كما في المحاكم الأخرى، نقترح أن يكون للقاضي مستشارون متخصصون يقدمون للقاضي المشورة والخبرة من أجل إصدار الأحكام من غير تعقيدات أو صعوبات. كما نقترح أن يكون هؤلاء المستشارون محايدين، لا علم للمتقاضين والمتنازعين بهم، حتى نقطع الطريق على آفة أخرى من آفات القضاء في المغرب، وهي آفة الرشوة. وحتى نكون قد قدمنا مقترحات علمية وعملية من أجل إصلاح القضاء في هذا البلد الكريم.

وللحديث بقية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *